الواحة في الزمان القديم لم تكن واحة، ولكنّها بحيرة ككل البحيرات يلفــّها الخلاء والسكون وتتلألأ ميهاها تحت أنوار السّماء. في البحيرة كانت تعيش مخلوقات يُقال لهنّ في الناموس القديم "بنات الماء". وكانت هذه الجنيات يتقنّ الغناء. لم يكن غنائهن غناء كالذي نسمعه من ألسنة الصبايا اليوم. ولكن ما نسمعه اليوم من غناء ما هو إلاّ محاكاة رديئة إذا قورن بغناء ساحرات البحيرات، حتّى أن أحداً لم يسمعه إلاّ فقد عقله وضلّ سبيله إلى الأبد. وكان رجال ذلك الزمان ملّة من مهاجرة قدرها أن تحيا سعيدة ما لم تستقر في أرض كما تقضي بنود عهد خفيّ لا تدري الأجيال عنه الكثير. ويُروى أن صاحب الأتان اللئيم هو الذي قادهم إلى البحيرة ليسمعهم الغناء من حناجر بنات الماء في حفل السمرالذي يقمنه كلّما استوى القمر بدراً. سمعوا الغناء يوما فجنوا، وفقدوا سبيلهم إلى الأبد. فقدوا السبيل فركنوا إلى المكان كما يليق بكل عابر ضلّ السبيل. لهذا السبب تراهم يجدبون ويتمردون ويحاولون أن يحطموا أغلالهم كلّما سمعوا الغناء ووقعوا في نوبات الوجد. لأن الغناء يوقظ فيهم حقيقتهم القديمة التي يسمونها حنيناً، فيحاولون أن يفلتوا من القيد ويستغيدوا نفوسهم الضائعة
.
أخبار - كتب جديدة - عروض